الأسواق الأوروبية
ارتفاع أسعار العقارات في أوروبا رغم التوجهات المعاكسة: التفاوت والمرونة خلف نمو الأسعار الحقيقية بنسبة 3% في منطقة اليورو
تكشف بيانات بنك التسويات الدولية (BIS) أن أسعار المساكن الحقيقية عالمياً واصلت الانخفاض في الربع الثالث من عام 2025، بينما سجّلت منطقة اليورو نمواً معاكساً للاتجاه بنسبة 3%. يحلّل هذا المقال بعمق الانقسامات الداخلية في أوروبا، وصعود أوروبا الناشئة، وتأثير سوق الإسكان على الاقتصاد الأوروبي والسياسات الأوروبية.
أسعار المنازل الأوروبية ترتفع عكس التيار: تباطؤ ومرونة خلف نمو حقيقي بنسبة 3% في منطقة اليورو
تُظهر إحصاءات أسعار العقارات السكنية للربع الثالث من عام 2025 الصادرة عن بنك التسويات الدولية (BIS) أن أسعار المنازل الحقيقية عالميًا (بعد التعديل وفقًا لأسعار المستهلك) انخفضت بنسبة 0.7% على أساس سنوي، مما يمدد الاتجاه الهبوطي السائد منذ عام 2022، لكن الانخفاض يتقلص قليلاً مقارنةً بـ 0.8% في الربع السابق. تحت سطح البيانات العالمية الهادئة، كان التباعد الإقليمي لافتًا بشكل استثنائي: إذ ارتفعت أسعار المنازل الحقيقية في منطقة اليورو بنسبة 3% على أساس سنوي في اتجاه معاكس للتيار، بينما سجلت أوروبا الناشئة نموًا قويًا بنسبة 3.9%، في حين واصلت بعض الاقتصادات في آسيا وأمريكا الشمالية الانخفاض. لا يعكس هذا المشهد التغيرات العميقة في تدفقات رأس المال العالمية فحسب، بل يكشف أيضًا عن المرونة الفريدة للاقتصاد الأوروبي في ظل ضغوط التضخم وتشديد السياسة النقدية.
أولاً: المشهد العالمي: تباطؤ تصحيح أسعار المنازل الحقيقية وتقلص الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة
تغطي الإحصاءات الفصلية لبنك التسويات الدولية الاقتصادات الرئيسية حول العالم، وتُظهر بياناتها المجمعة أنه على الرغم من استمرار نمو أسعار المنازل الاسمية بشكل معتدل بنسبة 2.0%، فإن القوة الشرائية الحقيقية تتعرض للتآكل المستمر. استقرت أسعار المنازل الحقيقية تقريبًا في الاقتصادات المتقدمة ككل (+0.3%)، بينما انخفضت في اقتصادات الأسواق الناشئة بنسبة 1.5%، متأثرة بشكل رئيسي بآسيا (-3.3%). ومن الجدير بالذكر أن الفجوة في معدلات النمو بين الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة تقلصت بشكل ملحوظ عن ذروتها في عام 2022، وهو ما يعكس الانكماش العميق في أسواق العقارات بالأسواق الناشئة، ولا سيما الصين، كما يجسّد الأداء القوي لبعض الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية.
على المستوى الوطني، أبلغت حوالي 60% من الاقتصادات المتقدمة عن ارتفاع الأسعار، بينما بلغت هذه النسبة 70% في الأسواق الناشئة. جاءت المراكز الثلاثة الأولى من حيث الارتفاع من أوروبا جميعها — مقدونيا الشمالية (+20%)، والمجر (+16%)، والبرتغال (+15%) — بينما كانت أكبر الانخفاضات في الصين (-5%)، وكندا (-5%)، وفنلندا (-4%). هذا المشهد الذي تتصدر فيه أوروبا الارتفاعات بينما تقود أمريكا الشمالية وشرق آسيا الانخفاضات، يوحي بإعادة ترتيب هيكلية في سوق العقارات العالمية.
ثانيًا: داخل منطقة اليورو: جنوب أوروبا يتصدر، وألمانيا وفرنسا معتدلتان، وفنلندا تتراجع
حافظت أسعار المنازل الحقيقية في منطقة اليورو على نمو سنوي يبلغ حوالي 3% لعدة أرباع متتالية، لتصبح نقطة مضيئة في سوق العقارات العالمية. ومع ذلك، فإن الفروق الداخلية تتجاوز بكثير ما يبدو ظاهريًا.
تصدرت البرتغال وإسبانيا بارتفاع بلغ 15% و10% على التوالي، مما يعكس الزخم القوي لاقتصادات جنوب أوروبا في ظل التعافي السياحي بعد الجائحة، وهجرة الصناعات الرقمية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. لطالما عانت هاتان الدولتان من ارتفاع معدلات البطالة ومشاكل الديون، لكن الإصلاحات الهيكلية في السنوات الأخيرة وضخ صندوق التعافي الأوروبي (NextGenerationEU) عززا ثقة السوق بشكل ملحوظ. في المقابل، فإن النمو المعتدل في إيطاليا (+2%) وألمانيا (+1%) أقرب إلى توقعات السوق؛ ففي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، دخلت أسعار المنازل مرحلة ثبات بعد فرط النشاط في السنوات السابقة، وتتعرض لضغوط من ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف البناء. وانخفضت أسعار المنازل في فرنسا بنسبة طفيفة بلغت 0.2%، وهي شبه مستقرة، مما يعكس توازنًا بين ضعف الطلب في المدن الكبرى مثل باريس وفائض العرض.اللافت للنظر هو فنلندا (-2%)، حيث تواصل أسعار المساكن فيها الانخفاض، وقد يعزى ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة، والتغيرات الديموغرافية، وضعف التحول الإقليمي في الاقتصاد. أما الدول الإسكندنافية الأخرى مثل السويد والنرويج، فلم تُدرج بشكل منفصل في هذا التقرير، لكن البيانات التاريخية تشير إلى أنها تواجه ضغوطاً مماثلة. هذا التباين داخل منطقة اليورو يذكرنا بأنه لا توجد دورة عقارية موحدة داخل منطقة العملة الموحدة، حيث تحدد السياسات المالية لكل دولة، ومرونة سوق العمل، وهيكل الصناعة الاختلافات في اتجاهات أسعار المساكن.
ثالثاً: الصعود المفاجئ لأوروبا الناشئة: مكاسب مذهلة في المجر ومقدونيا الشمالية
شهدت أوروبا الناشئة (Emerging Europe) بشكل عام نمواً حقيقياً في أسعار المساكن بنسبة 3.9% على أساس سنوي، حيث تجاوزت مكاسب المجر (+16%) ومقدونيا الشمالية (+20%) بكثير المتوسط الإقليمي. هذان البلدان ليسا وجهتي استثمار تقليديتين، لكن دوافع نموهما تستحق التأمل.
في السنوات الأخيرة، اعتمدت المجر على أموال الاتحاد الأوروبي الهيكلية والاستثمارات في قطاعي السيارات والبطاريات، محققة معدلات نمو اقتصادي من بين الأعلى في الاتحاد الأوروبي. ويتلقى الطلب على المساكن في مدن مثل بودابست دعماً من نمو الدخل المحلي وموظفي الشركات الأجنبية. أما مقدونيا الشمالية فتستفيد من تحسين البنية التحتية ونقل الصناعات منخفضة التكلفة، بالإضافة إلى التوقعات المتفائلة الناتجة عن تقدم مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مما يجذب مشترين من الدول المجاورة. كما حافظت دول مجاورة مثل بلغاريا ورومانيا على اتجاه صعودي معتدل ولكنه مستقر — على الرغم من أن هذه البيانات لم تُدرج بشكل منفصل، إلا أن المؤشرات الإقليمية المجمعة توحي بشيوع هذا الاتجاه.
وبالمقارنة مع الانكماش العميق في الأسواق الناشئة الآسيوية (خاصة الصين)، يعكس النشاط في أوروبا الناشئة الآثار الجانبية لتوسع الاتحاد الأوروبي والفرص التي يتيحها إعادة هيكلة سلاسل التوريد. ومع توجه أوروبا نحو "الاستقلالية الاستراتيجية" ونقل الإنتاج إلى القريب (nearshoring)، أصبحت دول وسط وشرق أوروبا مراكز تصنيع ولوجستيات جديدة، مما يحفز الطلب المحلي على المساكن وقيمتها الاستثمارية.
رابعاً: السياسات والآفاق: هل يمكن أن تستمر مرونة سوق الإسكان؟
إن الأداء المستقر نسبياً لسوق الإسكان الأوروبي ليس مصادفة. بعد رفع البنك المركزي الأوروبي (ECB) أسعار الفائدة بقوة في الفترة 2022-2024، بدأ في دورة خفض أسعار الفائدة في عام 2025، مما أدى إلى انخفاض تكاليف الاقتراض الحقيقية ودعم المشترين. في الوقت نفسه، أدى التراجع التدريجي للتضخم إلى إبراز "النمو الاسمي" لأسعار المساكن الحقيقية من جديد. لكن التباين في السياسات لا يزال واضحاً: تواجه ألمانيا وفرنسا معايير ائتمانية أكثر صرامة وقيوداً على عرض الأراضي، بينما تستفيد دول جنوب أوروبا من السياحة وشراء العقارات من قبل الأجانب (مثل برنامج "التأشيرة الذهبية"، على الرغم من أن بعض الدول شددت القواعد).
على المدى الطويل، يواجه سوق الإسكان الأوروبي ثلاثة تحديات هيكلية رئيسية: أولاً، شيخوخة السكان (خاصة في جنوب وشرق أوروبا) التي تثقل كاهل الطلب على المساكن على المدى الطويل؛ ثانياً، تكاليف ترقية كفاءة الطاقة في المباني الناتجة عن التحول الأخضر، مما قد يرفع أسعار المساكن ويزيد ضغوط القدرة على تحمل التكاليف؛ ثالثاً، تناقض النقص طويل الأمد في المعروض السكني مع ارتفاع أسعار المساكن في المناطق الحضرية. على مستوى الاتحاد الأوروبي، يحاول صناع السياسات تحقيق التوازن بين الاستثمار وحياة المواطنين من خلال "توجيه كفاءة الطاقة في المباني" و"خطة الإسكان الميسور"، لكن التنفيذ الفعلي لا يزال يعتمد على الحيز المالي لكل دولة.بالنسبة للشركات، فإن تباين أسعار العقارات يعني أن قرارات الاستثمار تحتاج إلى مزيد من الدقة. قد تستفيد مشاريع العقارات الصناعية والمراكز اللوجستية والتخزينية في جنوب أوروبا وأوروبا الوسطى والشرقية من النمو الإقليمي، بينما يواجه سوق المكاتب في شمال غرب أوروبا تحديات مزدوجة تتمثل في العمل عن بُعد وارتفاع أسعار الفائدة. وينبغي للمؤسسات المالية الانتباه إلى مخاطر التركز الجغرافي لأصول القروض العقارية، لا سيما في الأسواق المتراجعة مثل فنلندا.
الخلاصة: المرونة غير المتوقعة لأسعار العقارات في أوروبا يقف خلفها منطق عميق للتحول الاقتصادي
تكشف أحدث بيانات BIS حقيقة جوهرية: إن تصحيح سوق العقارات العالمي لم ينتهِ بعد، لكن أوروبا ككل، بعد خوضها جولة من التضخم المرتفع والتشديد النقدي، لم تشهد انهيارًا كبيرًا في أسعار العقارات الحقيقية، بل حافظت على زخم قوي في بعض المناطق. وهذه المرونة تنبع من تنوع البنية الاقتصادية الأوروبية، وتعكس أيضًا فعالية التدخلات السياساتية للاتحاد الأوروبي واستراتيجية التوسع شرقًا. ومع ذلك، تستمر الفجوات الداخلية في الاتساع، وقد تؤدي الفوارق بين المناطق إلى تفاقم عدم المساواة الاجتماعية وسوء تخصيص رأس المال.
في المستقبل، سيكون سوق العقارات الأوروبي أكثر تقييدًا بعوامل طويلة الأجل كالديموغرافيا والإنتاجية والسياسات المناخية، وليس بدورة التيسير النقدي البسيطة. ويتعين على رواد الأعمال وصناع السياسات تجاوز سردية تقلبات أسعار العقارات قصيرة الأجل، والتركيز على القدرة التنافسية الاقتصادية ومنطق التنمية المستدامة الكامنين وراء الأصول السكنية.
تحقق القارئ · europebusinessreview
تضع europebusinessreview هذه الملاحظة ضمن الأسواق الأوروبية / أوروبا الشركات / متابعة سياسات الاتحاد الأوروبي؛ الأسواق الأوروبية / أوروبا الشركات / متابعة سياسات الاتحاد الأوروبي يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.