أوروبا الشركات
العلاقات الصينية-الأوروبية تدخل مرحلة إعادة التوازن: من "إزالة المخاطر" إلى تعايش المنافسة الهيكلية والتعاون
ينطلق هذا المقال من منظور الأعمال والسياسات الأوروبية، ويحلل الديناميكيات المعقدة للعلاقات الصينية-الأوروبية في الفترة 2025-2026: حيث لا يزال الترابط الاقتصادي عميقًا، لكن العجز التجاري والدعم الصناعي والمطالبة بالاستقلال الاستراتيجي تدفع الاتحاد الأوروبي إلى بناء إطار جديد لسياساته تجاه الصين. ويستند المقال إلى تقرير بحثي صادر عن MEPEI، ويعيد تناول التعاون العملي والخلافات الهيكلية والاتجاهات المستقبلية في العلاقات الصينية-الأوروبية.
العلاقات الصينية-الأوروبية تدخل مرحلة إعادة التوازن: من "إزالة المخاطر" إلى التنافس البنيوي والتعاون في آن واحد
في منتصف صيف 2026، تدخل العلاقات الصينية-الأوروبية عامها الحادي والخمسين. في الرواية الرسمية، لا يزال الطرفان يصفان بعضهما بـ"الشريك الاستراتيجي الشامل"، لكن قراءة مقياس الحرارة بين بروكسل وبكين قد ابتعدت كثيراً عن منطقة الراحة في الدبلوماسية الرمزية. في قمة الصين-أوروبا التي اختُزلت إلى يوم واحد في يوليو/تموز 2025، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين العلاقات الثنائية بكلمة "نقطة تحول"، وهي ليست مجرد عبارة دبلوماسية، بل تأكيد علني من الاتحاد الأوروبي لمنظومة إدراكه للصين.
خلف استعارة "نقطة التحول" يكمن واقع جديد يفتقر إلى توافق في الآراء: يقرّ الطرفان بضرورة تعديل الإطار القائم، لكن لا توجد توقعات موحدة بشأن اتجاه التعديل ونهايته. تستند هذه المقالة إلى أحدث التقارير البحثية، من منظور البحوث التجارية الأوروبية، لتستعرض أسس التعاون العملي في العلاقات الصينية-الأوروبية، وجوهر الاحتكاك البنيوي، وكيف ستعيد سياسة الأمن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي تشكيل مشهد التفاعلات الثنائية في السنوات القادمة.
أولاً، مرونة الترابط الاقتصادي: استثمارات متبادلة تتجاوز 500 مليار دولار وآليات حوار متكررة
على الرغم من تصاعد الخطاب الجيوسياسي، لا تزال المحركات الأساسية للعلاقات الاقتصادية الصينية-الأوروبية تعمل. في عام 2025، بلغ إجمالي التجارة في السلع بين الصين وأوروبا 828.11 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 5.4%. وفي الربع الأول من عام 2026، سجّل النمو السنوي 17.6%، مع تحقيق الصادرات والواردات نمواً ثنائي الرقم في الاتجاهين. إن مكانة الاتحاد الأوروبي كثاني أكبر شريك تجاري للصين، ومكانة الصين كأكبر مصدر لواردات الاتحاد الأوروبي، يصعب تعويضهما في المدى القصير.
ولا يعتمد هذا الترابط على قناة تجارية واحدة فقط. فقد تجاوز العدد الإجمالي لقطارات الشحن الصينية-الأوروبية 110 آلاف رحلة، لتغطي 229 مدينة في 26 دولة أوروبية، لتصبح شرياناً ثانياً لسلسلة التوريد إلى جانب النقل البحري. في الربع الأول من عام 2026، أُطلقت 5460 رحلة لقطارات الصين-أوروبا، محمّلةً 546 ألف حاوية نمطية (TEU)، بزيادة سنوية قدرها 29% و22% على التوالي. وقد أدى التوسع المستمر لهذا الممر البري، ليس فقط إلى موازنة المخاطر الجيوسياسية في البحر الأحمر وغيره، بل غيّر أيضاً بعمق منطق تقسيم العمل الصناعي في المناطق الداخلية الأوراسية.
على صعيد الاستثمار، اقترب حجم الاستثمارات المتبادلة المتراكمة من 260 إلى 280 مليار دولار. في عام 2025، بلغ الاستثمار الفعلي للاتحاد الأوروبي في الصين 6.39 مليارات دولار، وتجاوزت استثمارات الشركات الألمانية في الصين خلال العام 7 مليارات يورو، مسجلةً أعلى مستوى منذ عام 2021. تواصل الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو وسيمنز زيادة استثماراتها في قواعد البحث والتطوير والتصنيع في الصين. وأظهر استطلاع في القطاع الصناعي أن 68% من الشركات الأوروبية اختارت الحفاظ على أعمالها في الصين أو توسيعها، وأن نحو ثلثها يعمّق الإنتاج المحلي بشكل أكبر. في الوقت نفسه، بلغ الاستثمار المباشر الصيني في أوروبا 9.22 مليارات دولار، متجهاً بشكل أساسي إلى قطاعات جديدة مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والخدمات اللوجستية. ويُعدّ مشروع مصنع البطاريات المشترك بين كاتل (CATL) وستيلانتس في أراغون بإسبانيا، وتوسعة مصنع سيارات بي واي دي الكهربائية في المجر، مثالين نموذجيين على هذا الاتجاه.من حيث البنية الصناعية، لا يزال التكامل التجاري بين الصين وأوروبا ملحوظًا. يُصدّر الاتحاد الأوروبي إلى الصين المعدات الراقية والأجهزة الطبية والسلع الاستهلاكية، وفي عام 2025 ارتفعت واردات الصين من المنتجات عالية التقنية من أوروبا بنسبة 11.1%. بينما تُصدّر الصين إلى أوروبا المنتجات الكهروميكانيكية ومعدات الطاقة الجديدة والسلع الاستهلاكية اليومية، وأكثر من 90% من سيارات الطاقة الجديدة تدخل أوروبا عبر ميناء أنتويرب. ورغم وجود عجز هيكلي في تجارة الخدمات، فقد بلغ العجز الصيني في تجارة الخدمات مع أوروبا 48.3 مليار دولار في عام 2025، منها رسوم استخدام الملكية الفكرية وحدها تجاوزت 10 مليارات دولار، وهو ما يعكس بدقة العائد الحقيقي الذي تحققه الشركات الأوروبية من حجم السوق الصينية.
ثانيًا: بروز الخلافات البنيوية: العجز التجاري والسياسات الصناعية وتحول الاتحاد الأوروبي نحو الأمن الاقتصادي
إذا كان الترابط الاقتصادي يمثل عامل الاستقرار، فإن الخلافات البنيوية هي التيار الخفي. بلغ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين حوالي 308 مليار يورو في عام 2024، وتوسع في عام 2025 إلى 360 مليار يورو – أي بمتوسط حوالي مليار يورو يوميًا. وفي الربع الأول من عام 2026، حققت الصين فائضًا تجاريًا مع الاتحاد الأوروبي بلغ 83.13 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 30.2%. هذا الرقم في الطيف السياسي ببروكسل تحول من قضية اقتصادية إلى قضية أمنية.
يرى صناع القرار في الاتحاد الأوروبي أن العجز ليس نتيجة لقوى السوق فحسب، بل هو نتيجة لتفاعل السياسات الصناعية الموجهة من قبل الدولة الصينية، وعدم تماثل الوصول إلى السوق، وفائض الطاقة الإنتاجية. تبلغ حصة الصين نحو 30% من الإنتاج الصناعي العالمي، بينما لا تتجاوز حصتها من الاستهلاك 13%، وتبرز هذه الفجوة بشكل خاص في مجالات التقنيات الخضراء مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والبطاريات. وعلى هذا الأساس المنطقي، أطلق الاتحاد الأوروبي سياسة "إزالة المخاطر"، التي تطورت عمليًا إلى مجموعة أدوات للأمن الاقتصادي تشمل تحقيقات مكافحة الدعم، ولائحة الدعم الأجنبي، وأدوات المشتريات الدولية، وضوابط التصدير، ومراجعة الاستثمار.
تجدر الإشارة إلى أن نطاق تطبيق هذه الأدوات آخذ في التوسع. فقد امتدت تحقيقات مكافحة الدعم في الاتحاد الأوروبي من الصلب إلى سيارات الطاقة الجديدة؛ وتتطلب لائحة الدعم الأجنبي التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2025 من جميع الشركات من دول ثالثة العاملة في أوروبا الإبلاغ عن الدعم العام، مما شكل فعليًا جدار امتثال. كما أدرجت "استراتيجية الأمن الاقتصادي" التي أقرها البرلمان الأوروبي في عام 2026 مرونة سلاسل التوريد، والسيادة التكنولوجية، وحماية البنية التحتية الحيوية في إطار موحد. إن التأثير التراكمي لهذه الإجراءات يتجاوز بكثير مجرد التنويع في إطار "إزالة المخاطر"، ويقترب من آلية دفاع تنافسية مؤسساتية.
ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس كتلة واحدة متجانسة. فقد زار قادة ألمانيا وفنلندا وأيرلندا وغيرهم الصين في مطلع عام 2026 بحثًا عن تعاون عملي. وتبرز الزيارة التي قام بها المستشار الألماني ميرتس على رأس وفد يضم 30 ممثلًا عن الشركات، القلق السائد في دول التصنيع الأوروبية الكبرى من تصاعد النزاعات التجارية. ويعكس هذا التناقض أن سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين تواجه توترًا مستمرًا بين "الاستقلال الاستراتيجي" و"المصالح الاقتصادية"، وأن الدول الأعضاء المختلفة، بناءً على هياكلها الصناعية، تتباين بشكل كبير في تعريفها لـ"المخاطر" ودرجة تحملها لها.
ثالثًا: لا يزال الإطار التعاوني المؤسسي يعمل، لكن انعدام الثقة الاستراتيجية يتعمق## ثالثًا: الإطار المؤسسي للتعاون ما زال يعمل، لكن الشكوك الاستراتيجية تتعمق
العلاقات بين الصين وأوروبا ليست مجرد احتكاك. فآليات الحوار والتشاور التي تجاوز عددها 70 والتي أُنشئت على مدى العقود الماضية، ما زالت تعمل في عام 2026. وتشكل قمة الصين-أوروبا والحوار الاستراتيجي رفيع المستوى والحوار الاقتصادي والتجاري رفيع المستوى الإطارَ الأعلى للتواصل، ويغطي مجالات السياسة والاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والمناخ والشؤون الإنسانية. وأكدت القمة التي عُقدت في يوليو 2025 من جديد مبادئ الاحترام المتبادل، والبحث عن أرضية مشتركة مع التسامي عن الخلافات، والانفتاح والفوز المشترك، مما وفر توجيهًا سياسيًا للتفاعلات اللاحقة.
غير أن وجود الآليات لا يعني تعمق الثقة. ففي النصف الأول من عام 2026، شهدت العلاقات بين الصين وأوروبا مشهدًا من "توازي الحوار والمواجهة" في عدة مجالات: فمن ناحية، واصل الجانبان التنسيق في قضايا مثل إدارة المناخ، والصحة العامة العالمية، وتعددية الأطراف؛ ومن ناحية أخرى، استمرت تدابير الفحص الأمني والقيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي في التزايد في مجالات التكنولوجيا الحساسة مثل معدات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات. وقد قامت شركات الاتصالات الصينية ببناء أكثر من 70% من البنية التحتية لتقنية الجيل الخامس (5G) في بعض الدول الأوروبية، ويُعتبر هذا الرقم في مناقشات البرلمان الأوروبي "تعرضًا لمخاطر" الاعتماد التكنولوجي وليس "إنجازًا تعاونيًا". وهذا التباين في الرؤى يجعل الشكوك الاستراتيجية تسود حتى في التعاون الرقمي الذي يبدو محايدًا.
وشكّل تيسير التأشيرات واستئناف التبادلات الثقافية والشعبية بعضًا من وسائل التخفيف. فقد طبقت 25 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إعفاءً من التأشيرة من جانب واحد لحاملي الجوازات العادية الصينية، كما عادت المشاريع الجامعية المشتركة والتبادلات الثقافية إلى الانتعاش الكامل. ورغم أن هذه الروابط "الناعمة" يصعب أن توازن الاحتكاك الاقتصادي الصارم، فإنها تحافظ على مرونة اجتماعية في العلاقات الثنائية.
رابعًا: من "إزالة المخاطر" إلى "إعادة المعايرة الهيكلية": محور الصراع في السنوات الخمس المقبلة
وبالنظر إلى المستقبل، ستدخل العلاقات بين الصين وأوروبا مرحلة "إعادة المعايرة". ولم يعد منطق الاتحاد الأوروبي يقوم على الانفصال البسيط أو إدارة المخاطر البحتة، بل يحاول بناء إطار منهجي "لمرونة الأمن الاقتصادي"، وتشمل عناصره الأساسية: الاستقلال الاستراتيجي في مجالات التكنولوجيا الرئيسية، وتنويع سلاسل التوريد، والاستخدام القانوني لأدوات الحماية التجارية، وجعل مراجعة الاستثمارات الأجنبية أمرًا معتادًا.
لكن هذا الإطار يواجه ثلاثة قيود واقعية. أولاً: اعتماد الشركات الأوروبية على أرباح السوق الصينية متجذر بعمق، ولا سيما في قطاعي السيارات والصناعات الكيماوية في ألمانيا، حيث أن الانفصال القسري سيكلف إعادة هيكلة سلاسل القيمة بتريليونات اليوروهات. ثانيًا: الهيمنة الصينية في سلاسل التوريد الخضراء العالمية يصعب استبدالها على المدى القصير بقدرات الهند أو جنوب شرق آسيا، لا سيما في مجالات بطاريات الطاقة، ومعالجة العناصر الأرضية النادرة، والمكونات الكهروضوئية. ثالثًا: صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين في تجارة الخدمات وعائدات الملكية الفكرية في نمو مستمر، وهذه العائدات غير المعلنة تجعل تعريف المشكلة ببساطة على أساس العجز التجاري في السلع غير دقيق من الناحية الحسابية.
وبالتالي، فمن المرجح أن يظهر التنافس بين الصين وأوروبا في المستقبل سمة "نظام المسارات المتعددة": في مجال السلع المصنعة التقليدية، سيعزز الاتحاد الأوروبي إنفاذ قوانين مكافحة الإغراق ومكافحة الدعم؛ وفي مجالي التكنولوجيا الخضراء والخدمات الرقمية، قد يتوصل الجانبان عبر المفاوضات إلى التزامات جديدة للوصول إلى الأسواق؛ وفي المجالات الحساسة أمنيًا، ستظل الإجراءات التقييدية قائمة بشكل هيكلي. واتفاقية الاستثمار الشاملة بين الصين والاتحاد الأوروبي، التي بدأت مفاوضاتها في عام 2013 وبعد أكثر من عشر سنوات من التقلبات، ما زالت مجمدة حتى الآن، وسيكون استئنافها من عدمه هو المحك الأساسي لمعرفة ما إذا كان الطرفان قادرين على التوصل إلى توافق حول قواعد المنافسة.## خامسًا: الخاتمة: تعقيد التعايش
لم يعد من الممكن تعريف العلاقات الصينية-الأوروبية بوصف واحد. فهي ليست "مواجهة شاملة" ولا "تعاونًا غير مشروط"، بل نظام ديناميكي معقد يزخر بالاحتكاكات والتآلف. بالنسبة للشركات الأوروبية، يعني هذا ضرورة إجراء موازنة أدق بين تكاليف الامتثال والحصة السوقية؛ أما بالنسبة لصانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي، فيتعين عليهم إيجاد توازن بين ضغوط السياسة الانتخابية والمصالح الفعلية للصناعة الأوروبية.
سيكون مسار السياسات في النصف الثاني من عام 2026 حاسمًا. إن أدوات الدفاع التجاري الجديدة التي يخطط لها الاتحاد الأوروبي، وما إذا كانت الصين ستفرض رسومًا جمركية مضادة على السيارات الفاخرة والمواد الكيميائية والمنتجات الزراعية الأوروبية، كلها عوامل قد تدفع العلاقات إلى نقاط توتر جديدة. ومع ذلك، تُظهر التجربة التاريخية أن التكاملية العالية بين النظم الاقتصادية الصينية والأوروبية والروابط المؤسسية متعددة المستويات تمنع العلاقات من الانحدار إلى هاوية الانفصال التام. ويتمثل التحدي الحقيقي في ما إذا كان الجانبان قادرين، في ظل تجنب "حرب باردة جديدة"، على وضع قواعد منافسة أكثر عدالة وشفافية واستدامة — وهذا هو الأمل الذي يحمله "نقطة التحول"، وهو أيضًا أكبر مصادر عدم اليقين.
تحقق القارئ · europebusinessreview
تضع europebusinessreview هذه الملاحظة ضمن الأسواق الأوروبية / أوروبا الشركات / متابعة سياسات الاتحاد الأوروبي؛ الأسواق الأوروبية / أوروبا الشركات / متابعة سياسات الاتحاد الأوروبي يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.